لماذا يشبه الألم أحيانًا البيت؟
ثمة لحظة غريبة يعرفها كثيرون لكن قلّة يعترفون بها. تنتهي علاقة كانت تُتعبك. تجلس أخيرًا في هدوء لم تعرفه منذ زمن. ولا شيء يضغط عليك. ولا انتظار يأكلك. ولا قلق يسكن صدرك. وبدلًا من أن تشعر بالراحة، تشعر بشيء أشبه بالفراغ. تفتقد التوتر. تفتقد الدراما. تفتقد حتى الألم. وتسأل نفسك في سرّ: هل أنا بخير؟ أم أن شيئًا ما خطأ فيّ؟
الإجابة المختصرة: لا، لا شيء خطأ فيك. لكن شيئًا ما حدث لجهازك العصبي في وقت سابق جعله يربط الحضور بالتوتر، والحب بالقلق، والأمان بالصراع. وهذا التشابك هو ما نسميه الإدمان العاطفي غير الرومانسي.
ما هو الادمان العاطفي غير الرومانسي
الإدمان العاطفي غير الرومانسي هو حالة تعلّق نفسي قوي ومفرط بشخص أو علاقة أو نمط تواصل، لا يكون بالضرورة قائمًا على الحب الرومانسي، بل على الحاجة المستمرة للشعور بالأمان أو الاهتمام أو التقدير من الطرف الآخر. في هذه الحالة يصبح وجود الشخص الآخر مصدرًا أساسيًا للاستقرار النفسي، ويشعر الفرد بالقلق أو الفراغ أو التوتر عند الابتعاد عنه أو فقدان تواصله.
هذا النوع من الإدمان قد يظهر في العلاقات الأسرية أو الصداقات أو علاقات العمل، حيث يعتمد الشخص بشكل زائد على طرف معين لإشباع احتياجاته العاطفية، مما يؤدي إلى ضعف الاستقلالية العاطفية وصعوبة اتخاذ قرارات دون الرجوع إليه.
نحن نفترض أن الدماغ البشري يسعى دائمًا نحو ما هو أفضل له، نحو الراحة والسلام والعلاقات الصحية. لكن علم الأعصاب يقول شيئًا مختلفًا: الدماغ لا يسعى نحو الأفضل، بل نحو المتوقع.
عالم الأعصاب ياك بانكسيب الذي أمضى عقودًا يدرس الأنظمة العاطفية في الدماغ، وصف نظام البحث كأحد أعمق الأنظمة الدافعة في الكائنات الحية. هذا النظام لا يبحث عن السعادة تحديدًا، بل عن الإشارات المألوفة التي تعلّم في وقت ما أنها مرتبطة بالبقاء أو الحصول على شيء مهم. وحين يجد هذه الإشارات، يُفرز الدوبامين، ليس مكافأةً على الشعور الجيد، بل استجابةً للتوقع نفسه.
وهذا يعني أن علاقة مؤذية لكنها متكررة تصبح مألوفة. والتوتر المزمن يصبح طبيعيًا. والدراما تصبح إيقاع حياة. ليس لأننا نحبها، بل لأن الدماغ تعلّم أن هذا ما يحدث عادةً، وصار يتوقعه، وصار التوقع نفسه مريحًا بطريقة ملتوية.
المألوف لا يعني الآمن. لكنه يعني: هذا ما أعرفه جيدًا، وما أعرفه لا يُخيفني كالمجهول.
حين يصبح التوتر هو الوضع الطبيعي
هناك أشخاص لا يشعرون بأنهم أحياء إلا داخل التوتر. الهدوء بالنسبة لهم ليس راحة، بل إنذار. هذا ليس مبالغة. هذا وصف دقيق لما يحدث عصبيًا حين ينشأ الإنسان في بيئة غير مستقرة. الجهاز العصبي اللاإرادي، وتحديدًا الجهاز السمبثاوي المسؤول عن استجابة الخطر، يتعلم ضبط نفسه على مستوى معين من الإثارة. وحين يكون هذا المستوى مرتفعًا بشكل مزمن، يصبح هو “الخط الأساسي” للجسم.
الباحثة بيسيل فان دير كولك في كتابها الجسد يحفظ الحساب توضّح كيف أن الصدمات المتكررة لا تترك أثرها في الذاكرة فحسب، بل تعيد معايرة الجهاز العصبي بالكامل. الشخص الذي نشأ في بيئة فيها صعود وهبوط عاطفي حاد، أو حب مشروط وقبول متقلب، يتعلم جسده أن الانفعال العالي هو الحالة الطبيعية. وحين يأتي الهدوء، لا يُترجمه كسلام، بل كـ “غياب شيء مهم”. كأن الساكت ينتظر العاصفة.
الادمان العاطفي غير الرومانسي والمخدرات
الإدمان العاطفي لا يشبه إدمان المخدرات في ظاهره، لكنه يشاركه الآلية الجوهرية ذاتها.
عالم النفس بوروس فريدريك سكينر اكتشف في تجاربه الشهيرة أن المكافأة المتقطعة، أي التي لا تأتي في كل مرة، بل بشكل غير منتظم، تُنتج أقوى أنماط التعلّق وأصعبها في الإطفاء. الحمام الذي يُكافأ أحيانًا على نقر الزر لا يتوقف عن النقر أبدًا تقريبًا. لأن عدم اليقين نفسه يُبقي الجهاز في حالة تنبّه دائم.
وهذا بالضبط ما تصنعه العلاقات ذات الطابع الدرامي: قلق، ثم انتظار، ثم ألم، ثم مصالحة، ثم راحة قصيرة، ثم عودة القلق من جديد. الدوبامين لا يُفرز عند الراحة، بل عند التوقع. والتوقع يحتاج عدم اليقين. وعدم اليقين يُبقيك مرتبطًا لا بالشخص، بل بالإحساس الذي يصنعه فيك، وهو إحساس الانتظار والترقّب والأمل المشوب بالخوف.
لهذا كثيرًا ما يصف الناس علاقات كانت مؤلمة بأنها “كانت أكثر إثارة” من العلاقات الهادئة التي أتت بعدها. هم لا يحنّون للألم، بل يحنّون للشعور بأنهم أحياء داخل الدوامة.
اسباب الادمان العاطفي غير الرومانسي
الجرح الذي يعيد اختيار ما يشبهه
هنا يصل التحليل إلى طبقة أعمق وأكثر حساسية.
بعض الأشخاص لا ينجذبون للعلاقات المؤلمة مصادفةً. ينجذبون إليها لأنها تشبه شيئًا قديمًا جدًا. تشبه الطريقة التي تعلّموا بها ماذا يعني الحب، أو ماذا يعني الاهتمام، أو ماذا يبدو عليه الارتباط بشخص مهم.
المحللة النفسية آليس ميلر في كتابها درامة الطفل الموهوب تصف كيف أن الأطفال الذين ارتبطوا بأولياء أمور متقلبين عاطفيًا يكوّنون خريطة داخلية للحب مبنية على عدم الاستقرار. وحين يكبرون، لا يبحثون عن هذا النمط بوعي، لكن الأنماط المألوفة تجذبهم بقوة لا يفهمونها. يجدون العلاقات الهادئة “مملة” أو “باردة”. يشعرون أن شيئًا ناقصًا. لأن معيارهم الداخلي للحب يتضمن قدرًا من الاضطراب.
والأكثر إيلامًا أن التكرار هنا ليس مجرد عادة، بل هو في أحيان كثيرة محاولة لا واعية لإعادة كتابة النهاية. كأن اللاوعي يقول: ربما هذه المرة أستطيع أن أُصلح ما لم يُصلَح قديمًا. ربما هذه المرة ينتهي الأمر بشكل مختلف. وهو لا ينتهي، لأن النمط لا يتغير بتكراره، بل بمواجهته.
علاج الإدمان العاطفي غير الرومانسي
علاج الإدمان العاطفي غير الرومانسي يعتمد أساسًا على إعادة بناء الاستقلال العاطفي وتقليل التعلّق المفرط بالشخص أو العلاقة. يبدأ العلاج بالوعي بالمشكلة وفهم أن الاعتماد الزائد على شخص واحد لإشباع الاحتياجات النفسية يسبب ضغطًا وعدم توازن داخلي. بعد ذلك يتم العمل على تقوية الهوية الذاتية من خلال تنمية الاهتمامات الشخصية، وبناء علاقات اجتماعية متعددة بدل حصر الدعم العاطفي في مصدر واحد، مع تعلّم مهارات تنظيم المشاعر مثل تهدئة القلق والتعامل مع الفراغ العاطفي بطريقة صحية. وفي بعض الحالات قد يساعد العلاج النفسي، خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي، على تعديل أنماط التفكير المرتبطة بالتعلّق الزائد وتكوين نمط علاقات أكثر توازنًا واستقرارًا.
لماذا لا تكفي المعرفة وحدها؟
هذا هو السؤال الذي يُحبط كثيرين.
“أنا أعرف أن هذه العلاقة تؤذيني. أعرف أنني يجب أن أغادر. لكنني لا أستطيع.”
والإجابة ليست ضعفًا في الإرادة. الإجابة أن المعرفة العقلية والجهاز العصبي يعملان على مسارين مختلفين.
علماء الأعصاب يُفرّقون بين الذاكرة التصريحية، أي ما نعرفه ونستطيع التعبير عنه بالكلام، والذاكرة الضمنية التي تسكن في الجسد والاستجابات التلقائية. حين تقول “أعرف أن هذا يؤذيني” فأنت تستخدم الذاكرة التصريحية. لكن جسدك يعمل بالذاكرة الضمنية التي تقول: هذا مألوف، وهذا مريح نسبيًا مقارنة بالمجهول.
الخروج من الإدمان العاطفي لهذا السبب لا يبدأ بالقرارات، بل بإعادة تعليم الجسد ببطء: كيف يبدو الهدوء حين لا يُسبقه خوف؟ وكيف يبدو القرب حين لا يكون مشروطًا؟ وكيف يبدو الحب حين لا يحتاج إثباتًا متكررًا؟
نشتاق أحيانًا لما يؤذينا لأننا لا نشتاق للألم نفسه. نشتاق لشعور الحضور، لشعور أننا موجودون وأن شيئًا يحدث وأن هناك ما يستحق الانتظار. وقد تعلّمنا في وقت ما أن هذا الشعور يأتي مع التوتر، فصار التوتر مدخلًا للحياة.
لكن ما يبدو مألوفًا ليس دائمًا ما يناسبنا، وما يثيرنا ليس دائمًا ما يُغذينا.
والتعافي الحقيقي لا يبدأ بكره ما كان، بل بتعلّم التمييز: بين الإثارة والحياة، وبين القلق والمحبة، وبين الألم المتكرر والشعور الحقيقي بأنك في المكان الصحيح.
لأن الهدوء ليس فراغًا. لكن الوصول إلى هذه القناعة يحتاج أكثر من فهمها. يحتاج أن يُصدّقها الجسد.
تمت كتابته بالاستناد إلى: ياك بانكسيب – العلوم العاطفية العصبية | بيسيل فان دير كولك – الجسد يحفظ الحساب | بوروس فريدريك سكينر – أبحاث التعلم والتعزيز المتقطع | آليس ميلر – درامة الطفل الموهوب.


