متلازمة ستوكهولم

حين تتعاطف مع من أساء إليك

ظاهرة تتحدى المنطق لكنها إنسانية عميقة

كيف يمكن لشخص محتجز أو مُعتدى عليه أن يُصبح متعاطفاً مع خاطفه أو معتديه؟
كيف تنشأ مشاعر الولاء والانتماء تجاه من يُمثّل مصدر الخطر والألم في الوقت ذاته؟

هذا السؤال هو ما أثار اهتمام علماء النفس حين وثّقوا لأول مرة ما بات يُعرف بـ متلازمة ستوكهولم، التي تُعرف أيضاً بـ رابطة الأسر والخطف.

وما يجعل هذه الظاهرة بالغة الأهمية هو أنها لا تقتصر على حالات الاختطاف النادرة، بل تمتد لتظهر في علاقات يومية كالعلاقات المُسيئة بين الشركاء أو داخل الأسرة، مما يجعل فهمها ضرورة تتجاوز الفضول الأكاديمي لتصبح أداةً حمائية حقيقية.

ما هي متلازمة ستوكهولم؟

متلازمة ستوكهولم ظاهرة نفسية تصيب الفرد حين يتعاطف أو يتعاون مع شخص أساء إليه أو احتجزه، ويُظهر مشاعر إيجابية وولاءً تجاهه رغم أن هذا الشخص يُمثّل مصدر خطر حقيقي عليه.

ووفق ما تُؤكده مؤسسة كليفلاند كلينك الطبية، فإن هذه المتلازمة تعمل كآلية تكيّف نفسي لا كاضطراب عقلي مستقل.

وهي لا تتطلب بالضرورة وجود حالة اختطاف كلاسيكية، بل يكفي أن يكون هناك ترابط عاطفي قوي بين شخصين، أحدهما يُمارس التهديد أو الإيذاء بصورة متقطعة، ثم يُظهر في لحظات أخرى بعض اللطف أو الحنان.

هذا التناوب بين الخوف والراحة هو الوقود الأساسي لنشوء المتلازمة.

لماذا سُمّيت متلازمة ستوكهولم بهذا الاسم؟

تعود التسمية إلى حادثة سطو مسلح وقعت عام 1973 في بنك بمدينة ستوكهولم السويدية.

احتُجز أربعة موظفين كرهائن لمدة ستة أيام، وكانت المفارقة الصادمة أن بعض الرهائن أظهروا تعاطفاً شديداً مع الخاطفين، ودافعوا عنهم أمام الشرطة، بل ورفضوا الشهادة ضدهم لاحقاً.

وقد صاغ عالم الجريمة والنفس نيلس بيجيروت هذا المصطلح لوصف هذه الآلية الدفاعية المعقدة، حيث يربط الضحية أمنه وبقاءه بالخاطف، فيتحول الخوف تدريجياً إلى نوع من الولاء أو المودة غير المنطقية ظاهرياً.

أسباب متلازمة ستوكهولم

لماذا يحدث هذا؟

النظرية التطورية

يرى بعض علماء النفس التطوري أن هذه الاستجابة قد تكون بقايا آلية بقاء قديمة.

في الأزمنة التي كان فيها الأسر والاختطاف جزءاً من الصراعات البشرية، كان الأسير الذي يُظهر تعاطفاً مع خاطفه أكثر قابلية للبقاء وأقل عرضة للقتل.

ومع مرور الأجيال قد تكون هذه الآلية انتقلت كبصمة نفسية كامنة.

نظرية التكيّف مع الصدمة

الضحية تعيش تحت ضغط نفسي وعاطفي شديد يجعل التفكير المنطقي أكثر صعوبة.

وحين يُظهر المعتدي لحظات متقطعة من اللطف بعد التهديد أو الإيذاء، يُصبح هذا اللطف النادر شديد التأثير نفسياً.

فيبدأ الدماغ بربط السلامة والنجاة بالتقرب من المعتدي لا بمقاومته.

وأحياناً يشعر الضحية بامتنان لأنه “لم يتعرض للأذى أكثر”، رغم أن مصدر الخطر نفسه هو الشخص الذي يشعر تجاهه بهذا الامتنان.

أعراض متلازمة ستوكهولم

التعاطف مع المعتدي

مشاعر إيجابية أو دفاع مستمر عن الشخص المسيء رغم الأذى الواضح.

تبرير السلوك المؤذي

تفسير الإيذاء والعدوان على أنه نتيجة ضغوط أو ظروف خاصة بالمعتدي.

العداء تجاه المنقذين

قد يُظهر المصاب رفضاً أو غضباً تجاه من يحاول مساعدته أو إخراجه من العلاقة المؤذية.

اضطرابات نفسية مرافقة

قلق
توتر دائم
صعوبة في التركيز
ذكريات مُزعجة
وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة بصورة طبيعية

متلازمة ستوكهولم خارج حالات الاختطاف

ما يجعل هذه الظاهرة أكثر قرباً من حياتنا اليومية هو أنها لا تقتصر على الرهائن أو الحوادث الإجرامية.

بل يمكن أن تظهر في:

العلاقات العاطفية السامة
العنف الأسري
بعض حالات الاستغلال الجنسي
والعلاقات التي يتناوب فيها الشريك بين الإيذاء والاعتذار واللطف

وهذا ما يجعل بعض الضحايا يجدون صعوبة هائلة في الانفصال رغم وضوح الضرر الذي يعيشونه.

متلازمة ستوكهولم في الحب

في العلاقات العاطفية المؤذية، يبدأ الطرف المتضرر بتبرير الإهانة أو العدوان على أنه دليل حب أو خوف أو ضغط نفسي يمر به الشريك.

ويركّز ذهنه على لحظات اللطف القليلة ويتجاهل نمط الإيذاء الأكبر.

ومع الوقت، تتشكل علاقة تعلق مؤلمة تجعل فكرة الانفصال تبدو أكثر رعباً من البقاء نفسه.

متلازمة ستوكهولم في الزواج

قد يعيش الزوج أو الزوجة داخل علاقة مليئة بالإساءة اللفظية أو النفسية أو حتى الجسدية، ومع ذلك يُدافع عن الطرف المسيء باستمرار.

ويبدأ بتبرير سلوكياته مثل:

“هو متوتر بسبب العمل”
“هي مرت بطفولة صعبة”
“في داخله شخص جيد”

هذه الآلية النفسية تُخفف التوتر مؤقتاً، لكنها تُبقي الضحية عالقاً داخل الحلقة المؤذية.

الفرق بين متلازمة ستوكهولم والمازوخية

الخلط بينهما شائع، لكن الفرق جوهري.

متلازمة ستوكهولم هي استجابة دفاعية لا واعية تنشأ تحت الضغط والخوف من أجل البقاء.

أما المازوخية فهي نمط نفسي أو سلوكي يجد فيه الشخص نوعاً من الإشباع أو الرضا في الألم أو الخضوع.

ببساطة:

ضحية ستوكهولم تتعلق بالمعتدي هرباً من الرعب.
أما المازوخي فيسعى للألم بصورة واعية أو شبه واعية لأنه يُحقق له إشباعاً معيناً.

علاج متلازمة ستوكهولم

لا يوجد بروتوكول علاجي موحد ورسمي لمتلازمة ستوكهولم لأنها ليست اضطراباً مستقلاً ضمن الأدلة التشخيصية النفسية.

لكن العلاج يشبه بدرجة كبيرة علاج اضطراب ما بعد الصدمة.

العلاج النفسي

العلاج بالكلام يُساعد الشخص على:

فهم ما حدث
إعادة تفسير العلاقة بصورة أوضح
وفك الارتباط النفسي القائم على الخوف والتعلق المرضي

العلاج المعرفي السلوكي

يُساعد على كشف أنماط التفكير التي تُبرر الإساءة وتُبقي الضحية داخل العلاقة المؤذية.

الدعم الدوائي

قد تُستخدم أدوية لعلاج القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم المصاحبة للحالة.

الأهم: إزالة الشعور بالذنب

المتخصصون يُشددون على نقطة مهمة جداً:

مشاعرك تجاه المعتدي لا تعني أنك ضعيف أو مجنون أو موافق على ما حدث لك.

هي استجابة إنسانية معقدة نشأت في ظروف نفسية قاسية بهدف البقاء.

الدماغ يحاول النجاة بأي طريقة

متلازمة ستوكهولم تكشف شيئاً عميقاً عن النفس البشرية:

الإنسان يبحث عن الأمان حتى داخل الخطر نفسه.

والدماغ أحياناً يُعيد تشكيل المشاعر والولاءات بصورة تبدو غير منطقية من الخارج، لكنها في جوهرها محاولة للبقاء وتقليل الألم.

إذا كنت تجد نفسك تُبرر الإساءة أو تشعر بولاء لشخص يؤذيك، فهذا لا يعني أن ما تعيشه طبيعي أو صحي، لكنه يعني أنك قد تكون عالقاً في آلية نفسية تحتاج إلى فهم ومساعدة لا إلى لوم.

إذا كنت تعتقد أنك أو أحد أحبائك يعيش علاقة مؤذية أو يعاني من ديناميكيات تشبه متلازمة ستوكهولم

فالتواصل مع معالج نفسي متخصص في صدمات العلاقات قد يكون الخطوة الأهم نحو الفهم واستعادة الأمان الداخلي والقدرة على اتخاذ قرارات أكثر حرية.

شارك هذا المقال