مرض الذهان

ما هو، أعراضه، وكيف يُعالج؟

حين يفقد العقل بوصلته مع الواقع

من أشد ما يمكن أن يمر به الإنسان أن يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم.

أن يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعه أحد، ويؤمن بأفكار تبدو له يقينية بينما يعرف الجميع أنها غير حقيقية.

هذا هو جوهر ما يعيشه المصاب بـ الذهان، وهي تجربة نفسية قاسية تستحق الفهم والتعاطف والتدخل العلاجي المبكر.

والذهان ليس مرضاً واحداً بحد ذاته، بل مصطلح طبي يُشير إلى حالة يفقد فيها الشخص تواصله الطبيعي مع الواقع، وقد يظهر ضمن اضطرابات متعددة مثل الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب أو غيرها من الحالات النفسية والعصبية.

ووفقاً للكلية الملكية للأطباء النفسيين في لندن، فإن نحو شخص واحد من كل مئة قد يمر بشكل من أشكال الذهان في مرحلة ما من حياته.

ما هو الذهان؟

الذهان هو حالة يحدث فيها خلل في التفكير والإدراك الحسي، تجعل الشخص عاجزاً عن التفريق بين ما هو حقيقي وما هو وهمي أو مختلَق.

وهو لا يُعدّ مرضاً مستقلاً دائماً، بل عرضاً يظهر ضمن مجموعة من الاضطرابات العقلية المختلفة.

والفرق الجوهري بين الذهان والهذيان العابر أن الهذيان قد يظهر مؤقتاً في حالات الحمى أو الإجهاد الشديد، بينما الذهان يكون أعمق وأكثر استمرارية ويؤثر بصورة مباشرة على إدراك الواقع.

أنواع الذهان

الفصام

أكثر الأنواع المزمنة شيوعاً، وتستمر أعراضه لفترات طويلة تتجاوز ستة أشهر غالباً.

الاضطراب فصامي الشكل

يشبه الفصام لكنه يستمر لفترة أقصر.

الذهان الوجيز

نوبة ذهانية قصيرة قد تظهر كرد فعل لصدمة نفسية شديدة وتستمر أقل من شهر.

الاضطراب الفصامي العاطفي

يجمع بين أعراض الذهان واضطرابات المزاج مثل الاكتئاب أو الهوس.

الاضطراب الضلالي

تتركز فيه الأعراض حول فكرة وهمية ثابتة دون وجود هلاوس واضحة بالضرورة.

الذهان الناتج عن المواد أو الأمراض العضوية

قد يظهر بسبب تعاطي بعض المخدرات أو نتيجة أمراض تؤثر على الدماغ وكيميائه الحيوية.

أعراض الذهان البسيط

المرحلة التي تسبق الانفصال الكامل عن الواقع

في كثير من الحالات تظهر مؤشرات مبكرة قبل النوبة الذهانية الواضحة.

ومن أبرزها:

الحساسية المفرطة للأصوات أو الألوان
رؤية ظلال أو ملامح عابرة
شكوك خفيفة وغير مبررة
شعور بأن للأحداث رسائل خاصة مرتبطة بالشخص
اضطرابات النوم
الانسحاب الاجتماعي المفاجئ
تراجع الأداء الدراسي أو المهني
تبلد عاطفي أو قلق غامض

وهذه المرحلة مهمة جداً لأن التدخل المبكر فيها يُحسّن فرص العلاج بصورة كبيرة.

أعراض الذهان

أولاً: الأعراض الإيجابية

سُمّيت “إيجابية” لأنها تُضيف أشياء غير موجودة إلى تجربة الشخص.

الأوهام والضلالات

معتقدات راسخة لا تتغير حتى مع وجود أدلة واضحة تُناقضها.

مثل:
الاعتقاد بوجود مؤامرة
أو أن شخصاً يراقبه
أو أنه يمتلك مهمة استثنائية

الهلاوس

إدراكات حسية تحدث دون وجود مُحفّز حقيقي.

وأكثرها شيوعاً:
الهلاوس السمعية
مثل سماع أصوات أو حديث غير موجود

وقد تكون أيضاً بصرية أو حسية.

ثانياً: الأعراض السلبية

وهي أعراض تُقلّل من قدرات الشخص الطبيعية.

مثل:

الخمول
فقدان الدافعية
الانسحاب الاجتماعي
ضعف التعبير العاطفي
وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت ممتعة سابقاً

ثالثاً: الأعراض المعرفية

وتشمل:

ضعف التركيز
تشوش التفكير
صعوبة تنظيم الأفكار
ومشكلات الذاكرة العاملة

الأعراض المبكرة للذهان

الكشف المبكر عن الذهان يُحدث فرقاً علاجياً كبيراً.

ومن العلامات التي تستحق الانتباه:

تغير مفاجئ في الطاقة والدافعية
قلق أو توتر غير معتاد
شعور غامض بالخطر
تراجع القدرة على التركيز
انعزال اجتماعي متزايد
الانجذاب المبالغ فيه إلى الماورائيات أو التفسيرات الغامضة

أسباب الذهان

العوامل الوراثية

وجود تاريخ عائلي لبعض الاضطرابات النفسية يزيد من قابلية الإصابة.

اضطراب كيمياء الدماغ

خصوصاً في النواقل العصبية مثل الدوبامين والسيروتونين.

الضغوط النفسية الشديدة

المراحل الانتقالية والضغوط الكبيرة قد تُحفّز ظهور الأعراض لدى من لديهم استعداد مسبق.

تعاطي المخدرات

بعض المواد مثل الحشيش والإمفيتامينات قد تُطلق نوبات ذهانية خطيرة.

الأمراض العضوية

بعض الإصابات أو الأمراض العصبية قد تؤدي أيضاً إلى ظهور أعراض ذهانية.

الفرق بين الذهان وثنائي القطب

الذهان هو اضطراب في الإدراك والاتصال بالواقع.

أما الاضطراب ثنائي القطب فهو اضطراب مزاجي يتنقل بين نوبات الاكتئاب والهوس.

لكن في بعض الحالات الشديدة من ثنائي القطب قد تظهر أعراض ذهانية مثل الهلاوس أو الضلالات، وهنا يتداخل الاضطرابان.

علاج الذهان

العلاج الدوائي

مضادات الذهان تُعد حجر الأساس في العلاج، إذ تُساعد على تقليل الهلاوس والأوهام وإعادة التوازن الكيميائي للدماغ.

ويتم اختيار الدواء تحت إشراف الطبيب النفسي بحسب طبيعة الحالة.

العلاج المعرفي السلوكي

يُساعد المريض على فهم أفكاره وأعراضه وتطوير طرق أكثر واقعية للتعامل معها.

العلاج الأسري

تثقيف الأسرة بطريقة التعامل الصحيحة مع المريض يُقلّل نسب الانتكاسة بشكل واضح.

إعادة التأهيل الاجتماعي

تُساعد على استعادة المهارات الاجتماعية والعودة التدريجية للحياة الطبيعية والعمل والعلاقات.

النشاط البدني والرياضة

الدراسات الحديثة تُشير إلى أن الحركة المنتظمة تُحسّن الأعراض السلبية وتدعم الاستقرار النفسي.

أهمية التدخل المبكر

كلما بدأ العلاج في مرحلة أبكر، كانت فرص التحسن واستعادة الوظائف الإدراكية والاجتماعية أفضل بكثير.

أما تجاهل الأعراض أو تأخير العلاج فقد يؤدي إلى ترسّخ الأعراض وصعوبة التعامل معها لاحقاً.

الذهان ليس نهاية الحياة

رغم صعوبة التجربة، فإن الذهان قابل للعلاج والسيطرة على أعراضه بدرجات كبيرة.

وكثير من المصابين يستطيعون استعادة حياتهم ودراستهم وعلاقاتهم حين يحصلون على التشخيص الصحيح والدعم العلاجي المناسب.

الأهم هو ألا يُواجه الشخص ما يمر به وحده أو في صمت.

إذا كنت تُلاحظ أعراضاً قد تشير إلى الذهان عند نفسك أو أحد المقربين

فلا تتردد في التواصل مع طبيب نفسي متخصص.

التشخيص المبكر والتدخل السريع قد يُغيّران مسار الحياة بالكامل نحو استقرار أفضل وتعافٍ أكثر أماناً.

شارك هذا المقال