- ليس كل كذب إرادة سيئة
- ما هو اضطراب الكذب القهري؟
- سمات الكذب القهري
- ما يُميّزه عن الكذب العادي
- أسباب اضطراب الكذب القهري
- ما يقوله العلم
- الأسباب العصبية
- الأسباب النفسية
- الاضطرابات النفسية المصاحبة
- تشخيص اضطراب الكذب القهري
- تحدٍّ حقيقي
- علاج اضطراب الكذب القهري
- الاعتراف بالمشكلة: الخطوة التي لا بديل عنها
- العلاج المعرفي السلوكي
- دور المحيط الاجتماعي
- بين الصدق والاضطراب مسافة تستحق الفهم
- إذا كنت تُعاني من الكذب القهري أو تعيش مع شخص يُعاني منه
ليس كل كذب إرادة سيئة
حين يكذب إنسان نُحمّله المسؤولية الكاملة ونصفه بالغدر والخيانة. لكن ماذا لو كان الكذب ليس اختياراً، بل اضطراباً؟ ماذا لو كان الشخص عاجزاً فعلاً عن قول الحقيقة ليس لأنه شريراً، بل لأن دماغه يعمل بطريقة مختلفة تجعل الكذب أسهل وأكثر تلقائية من الصدق؟
اضطراب الكذب القهري أو ما يُعرف بالميثومانيا ظاهرة يتصارع حولها العلماء وعلماء النفس بين من يعتبرها اضطراباً نفسياً حقيقياً ومن يرى فيها مجرد سمة شخصية مُبالَغ فيها.
لكن بغض النظر عن هذا الجدل التصنيفي، تداعياته على حياة المصاب وعلاقاته حقيقية وموثّقة وتستحق الفهم والاهتمام.
ما هو اضطراب الكذب القهري؟
اضطراب الكذب القهري يصف حالة يكذب فيها الشخص بصورة متكررة وتلقائية دون أن يكون مضطراً للكذب تحت ضغط اجتماعي أو مصلحي واضح.
المصاب به لا يستطيع منع نفسه من تحريف الحقيقة، وما يجعل الأمر أكثر تعقيداً هو أنه في الغالب لا يشعر بذنب أو تأنيب ضمير على ما يقوله.
والسبب الجوهري في غياب الذنب هو أن المصاب يتحول مع الوقت إلى تصديق كذبته هو، فيُصبح مقتنعاً بها وكأنها حقيقة يعيشها.
وحين تُواجَه كذبة من كذباته بالحقيقة لا يتراجع ولا يعترف، بل يُصر على روايته ويتمسك بها.
وبمرور الوقت يصبح المصاب بارعاً جداً في الكذب لدرجة يصعب معها على المحيطين به التمييز بين ما يقوله حقيقياً وما هو مختلَق.
ومن الناحية الديموغرافية لا توجد إحصائيات دقيقة عن نسبة المصابين، لكن الدراسات المتاحة تُشير إلى تقارب نسبي بين الذكور والإناث، وإلى أن الاضطراب يبرز في الغالب في سن المراهقة.
سمات الكذب القهري
ما يُميّزه عن الكذب العادي
ثمة فوارق جوهرية بين الكذب الاعتيادي الذي يمارسه البشر أحياناً وبين الكذب القهري كاضطراب نفسي:
الكذبة في هذا الاضطراب تكون عادةً واقعية ومقنعة بعيدة عن الخيال الصريح حتى تُصدَّق بسهولة.
والمصاب يكذب دون ضغط خارجي واضح، فليس هناك مصلحة محددة أو خطر وشيك يدفعه للكذب، بل هو نمط فطري في طريقة تعامله مع الواقع.
وتأخذ الكذبة في الغالب منحى يُعلي من شأنه:
يدّعي المصاب صفات بطولية أو معارف مؤثرة أو قدرات استثنائية، كأن يزعم شجاعة مبالغاً فيها أو صداقات مع شخصيات بارزة وما شابه ذلك.
أسباب اضطراب الكذب القهري
ما يقوله العلم
تتشابك في تفسير أسباب الكذب القهري عوامل عصبية ونفسية لا يمكن اختزالها في سبب واحد.
الأسباب العصبية
تُشير الدراسات إلى وجود خلل في الفص الجبهي من الدماغ، وهو المنطقة المسؤولة عن التخطيط والتحكم في السلوك والحكم الأخلاقي.
كما وجدت بعض الأبحاث زيادة في إفراز المادة البيضاء في الدماغ لدى المصابين، وخللاً وظيفياً في الفص الأيمن.
هذه التغييرات البنيوية تُفسّر لماذا يبدو الكذب لدى بعض الأشخاص أكثر تلقائية وأقل وعياً مما هو عليه لدى غيرهم.
الأسباب النفسية
يرى كثير من الأطباء وعلماء النفس أن الكذب المعتاد قد ينشأ كاستجابة لـ تدني احترام الذات، حيث يلجأ الشخص إلى اختلاق صورة أفضل عن نفسه لأنه لا يشعر بكفاءة نفسه الحقيقية.
وقد يكون هدفه لفت الانتباه أو الحصول على الحب والقبول الذي يشعر بافتقاده في حياته الواقعية.
والتستر على الفشل والإخفاقات سبب آخر يدفع بعض الأشخاص نحو بناء روايات بديلة عن إنجازاتهم.
الاضطرابات النفسية المصاحبة
من الضروري التنبيه إلى أن الكذب المعتاد قد يكون في بعض الحالات عَرَضاً لاضطراب نفسي أكبر لا اضطراباً مستقلاً.
ومن أبرز هذه الاضطرابات:
اضطراب الشخصية الحدية الذي يتميز بعدم استقرار في الهوية والعلاقات
واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع الذي يشمل نمطاً أوسع من تجاهل حقوق الآخرين ومشاعرهم
تشخيص اضطراب الكذب القهري
تحدٍّ حقيقي
تشخيص الكذب القهري يواجه عقبة أساسية:
لم يُصنَّف هذا الاضطراب حتى الآن بصورة رسمية ضمن الأدلة التشخيصية النفسية المعتمدة كالـ DSM أو الـ ICD.
لذلك لا توجد معايير تشخيصية موحدة ومُقنَّنة له، ويعتمد الأطباء في تشخيصه على:
الملاحظة الدقيقة لسلوك الفرد المصاب عبر الزمن
مقابلات معمّقة
واستبعاد الاضطرابات الأخرى التي قد تُفسّر الظاهرة
هذا الغياب في التصنيف لا يعني أن الاضطراب غير موجود، بل يعني أن البحث العلمي فيه لا يزال في طور النضج ويحتاج إلى مزيد من الدراسات الموثّقة.
علاج اضطراب الكذب القهري
يظل علاج الكذب القهري تحدياً بسبب طبيعة الاضطراب ذاته:
كيف تُعالج شخصاً يكذب في بيئة العلاج نفسها؟
ومع ذلك فالتعافي ممكن إن توافرت الشروط الصحيحة.
الاعتراف بالمشكلة: الخطوة التي لا بديل عنها
لا علاج حقيقي لأي اضطراب دون اعتراف صاحبه بوجود المشكلة.
وهذا أصعب ما يواجهه المصاب بـ اضطراب الكذب لأن قناعته بصحة رواياته تجعل الاعتراف يبدو بلا معنى.
لكنه الشرط الأول والضروري لأي تقدم.
العلاج المعرفي السلوكي
العلاج المعرفي السلوكي يُمثّل الخيار الأكثر فاعلية في التعامل مع هذا الاضطراب.
يعمل على:
مساعدة المريض في تحديد الأنماط التفكيرية التي تقوده إلى الكذب
فهم الدوافع النفسية الكامنة وراءها كتدني الثقة بالنفس أو الخوف من الرفض
وتطوير استجابات أكثر صدقاً ووظيفية في مواجهة المواقف المختلفة
دور المحيط الاجتماعي
المحيطون بالمصاب من أسرة وأصدقاء يُمكنهم أن يُشكّلوا عاملاً داعماً مهماً في العلاج حين:
يتفهّمون طبيعة الاضطراب
ويُقدّمون دعمهم دون إدانة قاطعة أو تبرير مُطلَق
ويضعون حدوداً واضحة تُشعر المصاب بالمسؤولية عن تصرفاته دون الدفع نحو مزيد من الإنكار
بين الصدق والاضطراب مسافة تستحق الفهم
اضطراب الكذب القهري في نهاية المطاف حالة إنسانية معقدة تقع في منطقة رمادية بين الاختيار الأخلاقي والاضطراب النفسي.
والحكم عليها يستوجب شيئاً من التمييز والتعمق بدلاً من الإدانة السريعة.
التغيير ممكن، لكنه يحتاج إلى قدر غير عادي من الصدق مع الذات أولاً، والإقرار بأن ما يجري حقيقي ومُضر ويستحق العلاج.
والشخص الذي يقرر مواجهة هذا الاضطراب يكون قد اتخذ بحق أصعب وأشجع قرار في حياته:
أن يقول الحقيقة عن نفسه لأول مرة.
إذا كنت تُعاني من الكذب القهري أو تعيش مع شخص يُعاني منه
استشارة طبيب نفسي متخصص هي الخطوة الأكثر فاعلية نحو التعامل مع هذا الاضطراب بصورة علمية وإنسانية.


